الحسد في العدد
منذ أن خُلق الانسان في هذا الوجود، رافقته مشاعر الحسد التي أثرت في سلوكه على مر التاريخ.
ذكرت الشريعة المقدسة شواهد عديدة على ذلك، بدءاً من قصة قايين الذي حسد أخيه هابيل وقتله لأن الله تقبل تقدمة هابيل ولم يقبل تقدمته، ويعقوب الذي حسد أخيه عيسو على البكورية، ويوسف الذي أوصاه أبوه يعقوب بألا يقص أحلامه على أخوته خشية عليه من الحسد، وكذلك راحيل الذي أظهرت غيرتها من أختها ليا لإنجابها البنين، وغيرها العديد من هذه القصص.
وكان من أبرز تلك الشواهد التي ذكرتها التوراة أيضاً، ظاهرة الحسد في العدد، كما ورد في السفر الرابع والذي أطلق عليه علمائنا وفقهائنا الأوائل “سفر العدد”، حيث طلب المولى من موسى الرسول، ولأول مرة، احصاء شعب بني اسرائيل عند خروجهم من مصر وتحررهم من عبودية فرعون، ولذلك ابتدأ هذا السفر بقوله: “احصوا كل جماعة بني اسرائيل بعشائرهم وبيوت آبائهم بعدد الأسماء كل ذكر برأسه من ابن عشرين سنة فصاعداً كل خارج للحرب في اسرائيل” (عدد 1: 2)
فكان عددهم حينها 603550 نسمة، دون احتساب اللاويين، الذين لم يحصوا بينهم.
وجاء الاحصاء الثاني بعد خروجهم من مصر وتحررهم من عبودية فرعون مصر، عندما وصل هذا الشعب مشارف الأراضي المقدسة، حيث كلم الله موسى والعازار بن هارون أن يقوموا بإحصاء الشعب من ابن عشرين سنة فصاعدا حسب بيوت آبائهم كل خارج للجند في اسرائيل قائلا: “من ابن عشرين سنة فصاعدا حسب بيوت آبائهم، كل خارج للجند في اسرائيل” (عدد 25: 2)
فكان عددهم 601730 نسمة، بدون اللاويين حسب سبط آبائهم فلم يعدو بينهم.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا: لماذا لم يزد عدد شعب بني اسرائيل كل هذه المدة الزمنية 40 سنة، مع أنه خلال وجودهم في مصر فترة 215 سنة وصل عددهم مليوني نسمة؟
الحقيقة أن شعب بني اسرائيل الذي كان عدده عندما خرج من مصر ستُ مئةِ الفٍ وثلاثةُ آلافٍ وخمسُ مئةٍ وخمسون نسمة، ما عدا الفتيات والنساء والأولاد، ووصل الأراضي المقدسة كان ما يقارب مليوني نسمة أيضا.
أما السبب في عدم الزيادة، يرجع إلى موت جميع جيل العبودية، وليدخلوا إلى الأراضي المقدسة جيلاً متحرراً.
ان دل هذا على شيء، فإنما يدل على أن إحصاء الشعوب فيه حسد، ويجب الابتعاد عنه.
الحقيقة أنه ما بين الإحصاء الأول والاحصاء الثاني أربعين سنة، وكان مثل هذا الإحصاء قد حصل عندما نزل يعقوب وأولاده السبعين فقط الى مصر قبل 215 سنة من تحرر شعب بني إسرائيل من عبودية فرعون مصر.
وجاء كلام الرسول موسى مع شعبه الإسرائيلي لا أقدر وحدي أن أحملكم قائلاً:
יהוה אלהיכם הרבה אתכם; והנכם היום ככוכבי השמים לרב. יהוה אלהי אבתיכם; יספ עליכם ככם אלפ פעמים; ויברכ אתכם כאשר דבר לכם.
“الله إلهكم قد كثركم، وهوذا أنتم اليوم كنجوم السماء في الكثرة، الله إله آبائكم يزيد عليكم مثلكم ألف مرة، ويباركم كما كلمكم”.
عدد كلمات هذه الآيات بعدد أحرف الشريعة المقدسة = 22 كلمة.
وعدد أحرف هذه الآيات = 93 حرفاً بجمع الرقمين = 12 بعدد اسباط بني إسرائيل.
وعدد جمطرة هذه الكلمات = 4504 ومجموع هذه الأرقام = 13 هو رقم مشؤوم، دلالة على أن الحسد كله شؤم.
لكن إذا ما فسرنا هذا الرقم مقسماً:
الرقم 4 في هذه الآيات ذكر رب العالمين أربع مرات.
الرقم 5 تم ذكر الشعب الاسرائيل فيها خمس مرات.
الرقم 4 هذه الآيات مركبة من أربع آيات.
الحسد هنا هو بيت القصيد في تفسيرنا لهذه الآيات، والذي نحن بصدده:
“الله إلهكم قد كثركم، وهوذا أنتم اليوم كنجوم السماء في الكثرة”،
هنا وكأن موسى الرسول حين يتكلم عن كثرة شعب بني إسرائيل في كلامه حسد.
“الله إله آبائكم يزيد عليكم مثلكم ألف مرة، ويباركم كما كلمكم”.
في هذه الآيات، تدارك موسى الرسول كلامه وأردفه، أنا لا احسدكم في الكثرة، لكن اطلب من الله أن يزيدكم عدداً الاف المرات.
ولا يغيب عن البال أن الكاهن الأكبر للطائفة السامرية، يقوم بتوزيع بطاقة الأعياد (التيروما) على عدد البالغين من افراد الطائفة السامرية مرتين في السنة في موسم عيد الفسح وفي موسم عيد العرش، تيمنا بالإحصاءات الأول والثاني عند تحررهم من عبودية فرعون مصر، كما أنها درساً من الآيات التي قالها موسى الرسول أعلاه بخصوص عدد شعب بني اسرائيل.
ومن الجدير بالذكر، أن ما ورد في أسفار التوراة من قصص وأحداث يؤكد أن ظاهرة الحسد هذه هي شعور متجذر في النفس البشرية، رافق الانسان منذ الخليقة، وما زال ملازماً له، ليس في العدد فحسب، بل بات منتشراً بشكل كبير حياة الانسان اليومية.

